
حين تكون المعرفة في ذاكرة الناس.. من يحمي التراث؟ منظمة التنمية السورية تشارك في الطاولة المستديرة حول دور منظمات المجتمع المدني في صون التراث الثقافي اللامادي
حين نتحدث عن التراث الثقافي اللامادي، فإننا لا نتحدث فقط عن حرفة أو أغنية أو طقس أو معرفة متوارثة، بل عن منظومة من المعارف والممارسات والمهارات التي تعيش في ذاكرة الناس، وتستمر ما دام هناك من يعرفها ويمارسها وينقلها إلى غيره.
فمن يحمي هذه المعرفة حين تتغير ظروف المجتمعات؟ ومن يضمن استمرار الحرفة حين يقل عدد ممارسيها؟ وكيف يمكن أن يبقى التراث حياً، لا مجرد مادة موثقة في الأرشيف؟
وتأتي مشاركة منظمة التنمية السورية في الطاولة المستديرة حول دور منظمات المجتمع المدني في صون التراث الثقافي اللامادي، التي نظمها المركز الدولي لبناء القدرات في مجال التراث الثقافي غير المادي في الدول العربية، بالتعاون مع مكتب اليونسكو الإقليمي لدول الخليج واليمن، والتي جمعت منظمات عربية وجهات معنية بالتراث، لمناقشة دور المجتمع المدني في حماية التراث وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية في مختلف مراحل صونه واستمراره.
التراث يبدأ من المجتمع
في التراث الثقافي اللامادي، لا تنفصل الممارسة عن صاحبها، ولا المعرفة عن حاملها. فالحرفي الذي يعرف تفاصيل مهنة توارثها، والمرأة التي تنقل وصفة أو تقنية تعلمتها من أجيال سابقة، والممارس الذي يحفظ طقساً أو تقليداً محلياً، جميعهم يشكلون جزءاً أساسياً من استمرارية التراث.
ولهذا، فإن صون التراث لا يعني الاكتفاء بتسجيله أو حفظه في الوثائق، بل يعني أيضاً الحفاظ على البيئة التي تسمح له بأن يُمارس ويُعلَّم ويُطوَّر وينتقل بين الأجيال.
ومن هنا تبرز أهمية المجتمعات المحلية بوصفها شريكاً أساسياً في عملية الصون؛ فهي لا تحمل التراث فحسب، بل تحدد ما الذي يشكل جزءاً من هويتها، وكيف يمارس، وكيف يمكن أن يستمر في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
وفي بلد مثل سوريا، بما يحمله من تنوع جغرافي وثقافي وحضاري، تتعدد أشكال هذا التراث بتعدد البيئات والمجتمعات، من الحرف والمعارف التقليدية إلى الفنون والممارسات الاجتماعية والاحتفالية، لتشكّل معاً جزءاً من الذاكرة والهوية الثقافية للمجتمعات المحلية.
من التوثيق إلى الصون والاستمرار
على مدى سنوات، عملت منظمة التنمية السورية مع المجتمعات المحلية وحَمَلة التراث والممارسين والجهات المعنية على مجموعة من المسارات المرتبطة بصون التراث الثقافي اللامادي.
وشملت هذه الجهود عمليات الحصر والجرد والتوثيق وجمع المعلومات والمعارف المرتبطة بالعناصر التراثية، إلى جانب العمل مع أصحاب المعرفة والممارسين لفهم الممارسات كما تعيش داخل مجتمعاتها، وليس فقط كما تظهر في الوثائق.
كما أسهمت المنظمة في إعداد ملفات ترشيح عدد من عناصر التراث الثقافي اللامادي السوري وإدراجها على قوائم اليونسكو، ضمن مسار يتطلب توثيق العنصر، وتحديد المجتمعات المرتبطة به، وفهم ممارسته ونقل معارفه، ووضع التدابير التي تساعد على صونه واستمراره.
لكن الإدراج على قائمة التراث لا يمثل نهاية هذا المسار.
فالحفاظ على عنصر تراثي لا يتحقق بمجرد الاعتراف به دولياً، بل يحتاج إلى عمل مستمر داخل المجتمع، وإلى دعم الأشخاص الذين يحملون معارفه ويمارسونها، وإلى إتاحة المجال أمام الأجيال الجديدة لتعلم هذه المعارف وممارستها.
وفي هذا الإطار، عملت منظمة التنمية السورية على دعم نقل المعارف والمهارات من خلال تدريبات وأنشطة استهدفت الممارسين والمهتمين بالحرف والممارسات التراثية، وبالتعاون مع الجهات والمؤسسات المعنية، بما يسهم في تعزيز فرص استمرار هذه الممارسات والحد من مخاطر اندثارها.
خبرة سورية ضمن منظومة اليونسكو
تأتي مشاركة منظمة التنمية السورية في الطاولة المستديرة امتداداً لهذه الخبرة المتراكمة في مجال صون التراث الثقافي اللامادي، والتي مكّنت المنظمة من الحصول على اعتماد اليونسكو بوصفها منظمة غير حكومية ذات خبرة في صون التراث الثقافي اللامادي، ضمن منظومة اتفاقية صون التراث الثقافي اللامادي لعام 2003.
وحصلت المنظمة على اعتمادها للمرة الأولى عام 2012، ثم جُدّد عام 2017، وأُعيد تجديده العام الماضي لمدة أربع سنوات، في امتداد لمسار من العمل المتخصص في مجال التراث الثقافي اللامادي.
ولا يمثل الاعتماد بالنسبة لمنظمة التنمية السورية مجرد اعتراف بالخبرة، بل يفتح مساحة أوسع لمشاركة المعرفة والتجارب والمساهمة في تطوير الممارسات المتعلقة بصون التراث، وتبادل الخبرات مع المنظمات والمؤسسات العاملة في هذا المجال.
ومن خلال مشاركتها في الطاولة المستديرة، تضع المنظمة تجربتها إلى جانب تجارب عربية أخرى، في نقاش يتجاوز حماية العناصر التراثية إلى بحث الظروف التي تجعلها قادرة على الاستمرار، والدور الذي يمكن أن تؤديه منظمات المجتمع المدني في دعم المجتمعات وحَمَلة التراث والممارسين.
تعليقات
يجب تسجيل الدخول
يجب تسجيل الدخول لإضافة التعليق